الذهب في التراث العربي والإسلامي

الذهب سيد المعادن وأنبلها وقد صاحب العرب عبر تاريخهم الطويل حيث عرفوا مزاياه وخواصه ومن ثم استخدموه في عملاتهم وزينتهم وانعكس ذلك على مجالات عديدة في حياتهم الاجتماعية فهو يمثل الشمس ويعد رمزًا للنور والذكاء والمعرفة والذهب يرتبط بالجمال والمثالية ويمثل عند بعض القبائل الخصوبة والثراء والسيطرة(1).

والذهب قبل كل شيء هو من مظاهر الزينة والجمال وظاهرة استخدامه في صنع المشغولات الذهبية ظاهرة قديمة عرفتها كل الحضارات في الماضي والحاضر وقد لبس الإنسان الحلي الذهبية منذ عصور بعيدة واستخدمه في مجالات عديدة من مجالات التزين كما شاع استخدامه فيما بعد في التعامل التجاري ثم التعامل النقدي ثم التعامل العلمي كصناعة الأدوية والكيماويات وغيرها.

الذهب في التراث العربي:

مما يدل على معرفة العرب بالذهب وأنواعه كثرة أسمائه لديهم مما يدل على المعرفة المفصلة بالمعادن والتعدين ومن أسمائه النضاء والعسجد – اسم يطلق على الذهب والجواهر عامة –والسمالة وهو تراب الذهب والإبريز والعقيان وهو الذهب الخالص – والتبر – الذهب المستخرج من الأرض والذي مازال مختلطا بالتراب والمعادن الأخرى(2).

أما عن كلمة الذهب ومِمَّ أتت فبعضهم يرى: أن الذهب سمي بذلك؛ لأنه سريع الذهاب بطيء الإياب إلى أصحابه، وقيل: لأنه من رآه بهت ويكاد عقله يذهب(3).

وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن شبه الجزيرة العربية في عصورها قبل الإسلام كان بها العديد من مناجم الذهب في «الحجاز» و«خربة» و«اليمامة» ومنها «شمال اليمن»، وتقول الروايات القديمة: إن الفراعنة والملك سليمان وملوك بابل وأشور كانوا يتزودون بالذهب من المناجم المجاورة للمدينة المنورة، وقد عثرت شركة التعدين السعودية العربية في منجم – مهد الذهب الذي يقع في شمال المدينة على أدوات ترجع إلى عصر ما قبل الإسلام كانت تستخدم لاستخراج الذهب واستخلاصه من شوائبه من بينها رحى وأدوات تنظيف وموقات ومصابيح(4).

وكان أغنياء مكة وساداتهم في الجزيرة العربية قبل الإسلام يستخدمون صحافا وكؤوسا من الذهب والفضة، يقول عبيد بن الأبرص:

وظبـــاء كأنهن أباريق

لجين تحنو على الأطفال(5)

ولم يكن لدى العرب قبل الإسلام عملة خاصة بهم وكان التعامل يتم بنوعين شائعين من النقد في ذلك الوقت الدراهم الفضية الساسانية والدنانير الذهبية البيزنطية، ولما جاء الإسلام أقر الرسول –صلى الله عليه وسلم- التعامل بتلك النقود – التي ورد ذكرها في القرآن الكريم وفي أشعار وأخبار العرب – وفرض زكاة الأموال بها وكذلك تقاضىٰ بها الجزية في انتظار أن تتوطد الدعائم السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة الإسلامية الحديثة التأسيس وأن تتاح المقومات اللازمة لتغير السك.

وفي خلافة عمر – رضي الله عنه- وبعد فتح المسلمين لأقاليم الدولتين البيزنطية و الساسانية ظهرت بعض المحاولات لتعريب النقود وتمثلث في إضافة العبارات الإسلامية التي تدل على وحدانية الله والرسالة المحمدية إلى تلك النقود واستمرت محاولات التعريب في عهد عثمان وعلي – رضي الله عنهما- وكانت هناك محاولات أخرى قام بها معاوية- رضي الله عنه-؛ ولكن التعريب الكامل تم في عهد عبد الملك بن مروان الذي قام بضرب أول نقود عربية الطابع إسلامية السمة وذلك كضرورة من ضروريات الاستقرار السياسي والاقتصادي وتم التعريب الكامل في سنة 77 هـ حيث احتلت الكتابات العربية وجه الدنانير الذهبية واختفت الدنانير المصورة واستبدلت بعبارات تشير إلى الرسالة الإسلامية(6).

الذهب في القرآن والسنة والتراث الإسلامي:

ذكر الذهب في سبع آيات من آيات الكتاب العزيز التي أكد بعضها أن الذهب هو من حلي أصحاب الجنة كثواب للذين عملوا الصالحات لقوله تعالى: ﴿أُولٓئِكَ لَهُمْ جَنّٰتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهٰـرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ (الكهف، آية31 ). ولأن الخالق – عز وجل- قد حذرنا في الوقت نفسه من عواقب الاندفاع في جمعه واللهث وراء حب القناطير المقنطرة من الذهب: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (التوبة: آية34). و الآية السابقة قمة الإعجاز القرآني لأنها سبقت الدراسات العلمية والنظريات الاقتصادية الحديثة بمدى طويل هو عمر القرآن الكريم المعجز نفسه. فكثيرًا ما يكون بريق الذهب الأخاذ خداعا كالسراب فإن الاندفاع وراء هذا البريق فساد للعباد والبلاد، وقد أجمعت النظريات الاقتصادية الحديثة والدراسات العلمية التي بنيت على شواهد هذا العصر بأن اكتناز الذهب يعطل جزءًا غير يسير من ثروة البلاد ويحول دون إنفاقها على مصالح المجتمع ومن هنا تبرز أهمية المعاني العظيمة والحكيمة التي جاء بها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾(7).

ويذكر أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قد صالح أهل خيبر على الضواء والبيضاء والحلقة (الذهب والفضة والدروع) وفي عبارة مأثورة على لسان عمر بن الخطاب يقول: (أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة؛ ولكن الله يرزق الناس بعضهم ببعض).

والإمام علي – كرم الله وجهه- لم يجد سوى الدر والمرجان والذهب ليشبه كرم المولى – عز وجل- إذ يقول: «ولو وهبت ما تنفست عنه معادن الجبال  وضحكت عنه أصداف البحار من فلز اللجين والعقيان ونثار الدر و حصيد المرجان ما أثر ذلك في جوده ولا نفد سعة ما عنده».

ومن الأمثال الشهيرة (ليس كل ما يلمع ذهبا) وأيضا (إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب).

ولقد أباح الإسلام لأهله التجمل بأنواع الزينة على شريطة القصد والاعتدال وحسن النية والوقوف عند الحدود الشرعية وعد الله تعالى الزينة من نعمه علينا التي يذكرنا بها ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبٰتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيٰوةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيٰمَةِ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ الآيٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف آية32).

وكان للعرب المسلمين مصاحف مذهبة فاخرة. ومن ذلك المصاحف الذهبية التي كان يكتبها ملوك وأمراء غرناطة بأنفسهم ويضعونها في إطار مذهب فاخر ويرسلونها إلى جانب الرسائل إلى المدينة المنورة كما سعى علماء العرب المسلمين إلى كشف أسرار المعدن الأصفر البراق – وقد اهتموا بالتمييز بين الأنواع المغشوشة واستعماله لأغراض متعددة بعد سبكه مع معادن أخرى فأثبتت التحليلات العلمية الحديثة معرفة المسلمين للميزان المضبوط سيما في صنع عملاتهم الذهبية(8).

ويعتبر الصباح الكندي – جد الفيلسوف المشهور يعقوب الكندي – من أقدم خبراء العرب في هذا المجال وإلى جانبه برزت أسماء لامعة أخرى كمعون العبادي وأيوب البصري وابن الجصاص، كما ظهرت فيما بعد أسماء كثيرة من نوابغ المسلمين في علم المعادن والذهب والأحجار الكريمة نذكر منهم الكندي الذي من المحتمل أن يكون أول كيماوي من العرب والإسلام رفض فكرة استحالة وتحويل المعادن البخسة إلى ثمينة كما نذكر أسماء أخرى معروفة مثل الرازي وجابر بن حيان والمسعودي وابن سينا والبيروني وابن العوام والتبقشاني(9).